أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
9
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
من آية فاعل زيدت فيه « مِنْ » لوجود الشرطين ، فلا تعلق لها . و « مِنْ آياتِ » صفة ل « آيَةٍ » فهي في محل جر على اللفظ ، أو رفع على الموضع . ومعنى من التبعيض . قوله : « إِلَّا كانُوا . . . » هذه الجملة الكونية في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان . . أحدهما : أنه الضمير في « تَأْتِيهِمْ » . والثاني : أنه من آية ، وذلك لتخصصها بالوصف . وتأتيهم يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله : كانوا ، ويحتمل أن يكون كانوا مستقبل المعنى لقوله : تأتيهم . واعلم أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلّا إلّا بأحد شرطين : إمّا ووقوعه بعد فعل كهذه الآية الكريمة ، أو يقترن ب « قد » نحو : ما زيد إلّا قد قام . وهنا التفات من خطابه بقوله : خلقكم إلى آخره إلى الغيبة بقوله : وما تأتيهم . قوله : فَقَدْ كَذَّبُوا . الفاء منا للتعقيب ، يعني : أن الإعراض عن الآيات أعقبه التكذيب . وقال الزمخشري : فقد كذّبوا مردود على كلام محذوف ، كأنه قيل : « إنّ كانوا معرضين عن الآيات فقد كذّبوا بما هو أعظم آية وأكبرها » . قال الشيخ « 1 » : « ولا ضرورة تدعو إلى هذا مع انتظام الكلام » . وقوله : « بِالْحَقِّ » من إقامة الظاهر مقام المضمر ، إذ الأصل : فقد كذّبوا بها ، أي بالآية . و « الأنباء » جمع نبا ، وهو ما يعظم وقعه من الأخبار . وفي الكلام حذف ، أي : يأتيهم مضمون الأنباء . و « بِهِ » متعلّق بخبر كانوا . و « لَمَّا » حرف وجوب ، أو ظرف زمان ، والعامل فيه كذّبوا . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية والضمير في به عائد عليها ، ويجوز أن تكون مصدرية ، قاله ابن عطية ، أي : أنباء كونهم مستهزئين ، وعلى هذا فالضمير لا يعود عليها ، لأنها حرفية ، بل يعود على الحق وعند الأخفش يعود عليها ، لأنها اسم عنده . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 6 ] أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) قوله : كَمْ أَهْلَكْنا . يجوز في « كَمْ » أن تكون استفهامية وخبرية ، وعلى كلا التقديرين فهي معلّقة للرؤية عن العمل ، لأن الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في ذلك ، ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التصدير وغيره . والرؤية هنا علمية ، ويضعف كونها بصرية ، وعلى كلا التقديرين فهي معلّقة عن العمل ، لأن البصرية تجري مجراها ، فإن كانت علمية ف كم وما في حيّزها سادة مسدّ مفعولين ، وإن كانت بصرية فمسد واحد . وكم يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص ، فتكون مفعولا بها ، ناصبها أهلكنا ، ومن قرن على هذا تمييز لها ، وأن تكون عبارة عن المصدر فتنتصب انتصابه ب « أَهْلَكْنا » أي : إهلاكا . ومن قرن على هذا صفة لمفعول أهلكنا أي : أهلكنا قوما أو فوجا من القرون ، لأن قرنا يراد به الجمع ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 74 ) .